فخر الدين الرازي
74
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والشبهة الثالثة : أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلا ، وإن كانوا سلموا على أن المعجز يدل على الصدق ، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنها أمور معتادة ، وأنها ليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر ، وإلى هذا النوع من الشبهة الإشارة بقوله : فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع واللّه أعلم . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 11 إلى 12 ] قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 12 ) اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة ، حكى عن الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها . أما الشبهة الأولى : وهي قولهم : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فجوابه : أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك ، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمن اللّه به على من يشاء من عباده ، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة . واعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق ، وهو أن جماعة من حكماء الإسلام قالوا : إن الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية قدسية ، فإنه يمتنع عقلا حصول صفة النبوة له . وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة ، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من اللّه تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده ، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من اللّه تعالى والعطية منه ، والكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق ، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعا منهم ، واقتصروا على قولهم : وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بالنبوة ، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص ، كما قال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] . وأما الشبهة الثانية : وهي قولهم : إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه حقا ، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم ، فجوابه : عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى ، لأن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب عطية من اللّه تعالى وفضل منه ، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها . وأما الشبهة الثالثة : وهي قولهم : إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها ، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية . فالجواب عنها : قوله تعالى : وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وشرح هذا الجواب أن